ابن الجوزي

95

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

أدب العرب ، وخلقه كخلقهم لنشأته بينهم ، واجتمعت كلمتهم وكلمة العامّة على صرف الملك عن بهرام إلى رجل من عترة أردشير بن بابك يقال له : كسرى ، فلم يعتموا حتى ملكوه [ 1 ] ، فانتهى إلى بهرام هلاك أبيه يزدجرد وتمليكهم كسرى وهو ببادية العرب فدعا بالمنذر والنعمان ابنه وناس من علية [ 2 ] العرب ، وقال لهم : لا أحسبكم تجحدون خصيصي والدي ، [ كان ] [ 3 ] أتاكم معشر العرب بإحسانه وإنعامه مع فظاظته [ 4 ] وشدّته على الفرس ، وأخبرهم بالذي أتاه من نعي أبيه ، وتمليك الفرس من ملَّكوا . فقال المنذر : لا يهولنّك ذلك حتى ألطف الحيلة فيه . وإنّ المنذر جهّز عشرة آلاف رجل من فرسان العرب ، ووجّههم مع ابنه إلى مدينتين للملك ، وأمره أن يعسكر قريبا منهما ، ويدمن إرسال طلائعه [ 5 ] إليهما ، فإن تحرّك أحد لقتاله قاتله وأغار على ما والاهما ، وأسر وسبى ، ونهى عن سفك دم . فسار النّعمان حتى نزل قريبا من المدينتين ، ووجّه طلائعه إليهما ، واستعظم قتال الفرس ، وإنّ من بالباب [ 6 ] من العظماء وأهل البيوتات أرسلوا جواني صاحب رسائل يزدجرد إلى المنذر ، وكتبوا إليه يعلمونه أمر النعمان ، فلما ورد جواني على المنذر وقرأ الكتاب الَّذي كتب إليه ، قال له : الق الملك بهرام ، ووجّه معه من يوصله إليه . فدخل جواني على بهرام فراعه ما رأى من وسامته وبهائه ، وأغفل السجود دهشا ، فعرف بهرام أنه إنما ترك السجود لما راعه من روائه ، فكلَّمه بهرام ، ووعده من نفسه أحسن الوعد ، وردّه إلى المنذر ، وأرسل إليه أن يجيب في الَّذي كتب ، فقال المنذر لجواني : قد تدبّرت الكتاب الَّذي أتيتني به ، وإنما وجّه النعمان إلى ناحيتكم الملك بهرام حيث ملَّكه الله بعد أبيه ، وخوّله إيّاكم . فلما سمع جواني مقالة المنذر ، وتذكّر ما عاين من رواء بهرام وهيبته عند نفسه ، وأنّ جميع من شاور في صرف الملك عن بهرام مخصوم محجوج ، قال للمنذر : إني لست محيرا جوابا ، ولكن سر إن رأيت إلى محلَّة الملوك فيجتمع إليك من بها من

--> [ 1 ] في الطبري 2 / 72 : « فلم يقيموا أن ملكوه » . [ 2 ] في الأصل : « غليمه » . [ 3 ] ما بين المعقوفتين : سقط من الأصل . [ 4 ] في الأصل : « فضاضته » . [ 5 ] في ت : « طوالعه » . [ 6 ] في ت : « من الباب » .